أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة منفتحة على تعديل مشروعي قانوني الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين بعد ما أثير حولهما من انتقادات وملاحظات عقب إحالتهما إلى مجلس النواب، مشددًا على أن هذه القوانين بطبيعتها تثير جدلًا واسعًا لتعلقها بقضايا الأسرة والطلاق والنزاعات المجتمعية، مع التوصية بتشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والبرلمان لإعادة مناقشة وصياغة المواد محل الخلاف.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور من الاستمرار في مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين داخل البرلمان قبل حسم مسألة دستورية جوهرية تتعلق بتفسير “مبادئ الشريعة المسيحية” الواردة بالمادة الثالثة من الدستور، معتبرًا أن الأزمة لا ترتبط بمجرد ملاحظات على الصياغة أو اختلافات فنية، وإنما تمتد إلى “سقطات تشريعية ودستورية” تنسف فكرة القانون من أساسها.
وأوضح الصيرفي أن المشروع المطروح لا يمكن وصفه بأنه “قانون موحد” للمسيحيين، إذ استبعد بعض الطوائف المسيحية من نطاقه، فضلًا عن الاختلاف الجوهري بين الطوائف الست المعنية حول أسباب الطلاق وبطلان الزواج والانحلال المدني. وأشار إلى أن بعض الطوائف توسعت في أسباب الطلاق لتتجاوز عشرة أسباب، بينما حرمت الطائفة الكاثوليكية الطلاق تمامًا، واتجهت إلى التوسع في بطلان الزواج حتى في حالات تنشأ بعد انعقاد الزواج الصحيح، وهو ما وصفه بأنه “طلاق مدني مقنع” تحت مسمى البطلان.
وأضاف أن طائفتين وافقتا على فكرة الانحلال المدني، بينما رفضتها باقي الطوائف، بل إن الطائفتين نفسيهما اختلفتا حول أسباب هذا الانحلال وشروطه، الأمر الذي يثير – بحسب وصفه – تساؤلًا دستوريًا خطيرًا: ما المقصود أصلًا بـ “مبادئ الشريعة المسيحية”؟ وهل يجوز لكل طائفة أن تنفرد بتشريع مستقل يختلف جذريًا عن باقي الطوائف، ثم يقال بعد ذلك إن القانون يستند إلى وحدة المبدأ الدستوري؟
وتساءل الصيرفي: ما هي القواعد الحاكمة للتصريح بالزواج الثاني بعد وقوع الطلاق المدني؟ وكيف يمكن للكنيسة أن تعتبر أن هناك زنا سابقًا على الطلاق المدني بما يتعارض مع حجية الحكم القضائي؟ وكيف يمكن الحديث عن زنا لاحق بعد زوال صفة الزوجية أصلًا؟ معتبرًا أن هذه الإشكاليات تكشف عن غياب تصور تشريعي متكامل للعلاقة بين الحكم المدني والسلطة الكنسية.
وانتقد الصيرفي عددًا من النصوص الواردة بالمشروع، متسائلًا عن سبب اعتبار الزنا من الدعاوى التي يجوز الصلح فيها، وعن الأساس القانوني لاستطلاع رأي الأزهر في بعض هذه القضايا، وكذلك عن الكيفية التي تبدي بها الكنيسة رأيها في طلاق مدني لا تعترف به من الأساس، ثم تعود مرة أخرى لتبدي رأيها في التصريح بالزواج الثاني. كما تساءل عن الغياب الكامل لدور المجلس الملي في المشروع، رغم الطبيعة المدنية والحقوقية للعديد من المسائل المطروحة.
وطالب الصيرفي الحكومة بسحب مشروع القانون من البرلمان مؤقتًا، وإحالة المادة الثالثة من الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا لتفسير المقصود بـ “مبادئ الشريعة المسيحية”، والفصل في مدى جواز انفراد كل طائفة بتنظيم تشريعي مستقل، وما إذا كان ذلك يتفق مع الأصول الكلية العامة للشريعة المسيحية أم لا، مؤكدًا أن أي مناقشة برلمانية قبل حسم هذا التفسير الدستوري قد تؤدي إلى إصدار قانون يواجه لاحقًا شبهة عدم الدستورية.

إرسال تعليق